بين الرياض ونيويورك… تجربتي مع مراكز الشرطة.

8 02 2012

(هما تجربتان لا يمكن تعميمها بالضرورة، لا بالسلب ولا الإيجاب، لكن تظلان تجربتين حقيقيتين نستطيع استخدامهما كأمثلة حية لمواجهة أخطائنا والعمل على تعديلها)

عملت في إحدى الشركات في مدينة الرياض وكان معظم مدرائي من جنسيات غير سعودية، الأغلب كانوا عرباً أو من الهند وباكستان وقليل من الغربيين.

في أحد أيام الشهور المبكرة من 2010، اتصل بي أحد مدرائي/زملائي، وهو هندي الجنسية، وبدا صوته مرتبكاً. أخبرني أن مجوهرات تقارب قيمتها مئة ألف ريال سُرقت من منزله.  فطلب مساعدتي في أن أذهب معه إلى مركز الشرطة لمساعدته في الترجمة في هذا الجهاز الحكومي الذي لا يتحدث أفراده إلا العربية، مثل معظم الأجهزة الحكومية السعودية كما أتصوّر.

انطلقتُ معه من مكتبنا لتقديم بلاغ عن السرقة لأحد أقسام الشرطة الرئيسة في الرياض. كانت أول محطة لنا أن نذهب إلى مدير المركز، الذي كانت رتبته عقيداً أو أعلى (لا تسعفني ذاكرتي على تذكرها بالضبط، ولكن “عقيد” تقدير متحفظ). كان يفترض أن نمرّ عليه مروراً سريعاً ليوجهنا للذهاب للضابط المسؤول عن حالة السرقة، بعد أن انتظرنا لبعض الوقت.

دخلنا مكتبه الرحب وسلّمت عليه – وأنا بزيي السعودي: ثوب وشماغ  نظيفين وعقال وشنب و”سكسوكة”- . لم يرد السلام، إنما صرخ في وجهي: (وش ذا اللي معك؟؟)، فأخذت أنظر غير مستوعب تماماً مالخطأ الذي ارتكبته… قلت: عفواً، لم أفهم ماذا تقصد. قال وهو ينهرني: (اللي بيدك… وش اللي بيدك!) وعرفت أنه يقصد كوب القهوة الذي أحمله (حيث أنني كنت اشتريته من مقهى بالقرب من المكتب قبل علمي أني سأذهب إلى قسم الشرطة، وعادتي أن أضعه في كوب حافظ للحرارة). قلت ببراءة: … قهوة! فقال لي ووجهه مليء بتعابير القرف والاحتقار: “اطلع، اطلع حطّه برة وبعدين ادخل علي… يالله!”، وخُيّل لي أنني ارتكبت أحد الفظائع!

وقفت لوهلة، فكّرت في أن أترك هذا المكان الذي لا يحترمني وأنا لم أفعل ما يستحق هذا الأسلوب، وحتى وإن شعر مدير المركز أن في دخولي بالقهوة قلة أدب أو وقاحة –وقد يكون- لم أكن لأقبل بهذا الأسلوب الذي لا يليق بي فضلاً عن أن يصدر من مدير مركز شرطة رئيس وُضع لخدمة المواطن والمقيم، وحفظ حقوقه!

تذكرت حاجة زميلي الهندي لي، فقررت ألا تأخذني العزة. تعوذت من الشيطان الرجيم، وسكتّ ولم أترك المركز. وضعت الكوب في الخارج ودخلت مرة أخرى للتحدث معه. وقفنا أمامه فإذا به يسأل زميلي الهندي –وهو المدير الخبير ببدلته الرسمية وربطة عنقه- : “هاه، وش عندك؟”

 رددتُ عليه: سُرقت بعض الأغراض من بيته.

- مدير المركز: “أنا أكلمه هو!”

- قلت: هو لا يتكلم العربية…

- فصدّ عني وتجاهلني ونظر إليه قائلاً: “وين بيتك؟؟”

*زميلي الهندي فاغراً فاه لا يدري ماذا يقول هذا الشخص العجيب*

بعد لحظات قلت: “الله يسلمك هو ما يفهم عربي”

- مدير المركز: “أقولك أنا أكلمه هو!” ونظر إليه قائلاُ: “صديق، فين بيت إنتا؟”

- ردّ زميلي بارتباك: ” في هاره”… ولم يفهم مدير المركز

- قلت: في حي الوزارات (ويسميه الهنود “هاره”- أي الحارة- لسبب أجهله)

فأخبرته القصة سريعاً ولم يسكتني هذه المرة (لله الحمد من قبل ومن بعد، يظهر أنه –مشكوراً- استوعب المشكلة المعقدة جداً أنه لا توجد لغة مشتركة للتواصل بينهما، وأنهما يحتاجان إلى مترجم).

تمّ تحويلنا إلى  الغرفة المجاورة حيث سيكتب أحد رجال الشرطة المحضر وتفاصيل السرقة والمنزل.

من هنا كان الموضوع مرناً وطبيعياً، حتى اللحظة التي زار فيها رجلا شرطة منزل زميلي الهندي، لعمل التحريات وأخذ البصمات.

فقال لي أحدهم: اسأل زميلك بمن يشك.

 فسألت زميلي الذي قال أن اثنين من العمالة البنغالية ينظفان بيته بشكل دوري، أحدهما يأتي مرة أو اثنتين أسبوعياً والآخر شهرياً. فأخبرنا أنه يشك في الأول لأسباب لا أتذكرها. وترجمت ذلك لشرطي التحريات.

وظهر لي أن الشرطي فيه إنسانية أكثر من غيره، حيث قال لي: اسأله هل شكّه في ذلك الشخص كبير؟ قلت: لماذا؟

وهنا الطامة…

قال موضّحاً: لأننا سنحتجز هذا العامل وسنضربه ضرباً مبرّحاً حتى يعترف بجرمه” (بنقل أدق، قال: بنجلده، بنجلده جلد لين يعترف). وأنا في صدمة من العدالة وحقوق الإنسان، نقلت هذه المعلومة القيّمة لزميلي الهندي… الذي تردّد، ثم قال إنه يشك به… ونقلت هذا للشرطي.

ذهب الشرطيان وطلبا من زميلي الهندي أن يزور المركز ليأخذ رقم محضره أو شيء من هذا القبيل، ولا أعلم ماذا حصل على هذه القصة فيما بعد…

ومن وسط الرياض وزحمة شوارعها وشرطتها، وبعد حوالي سنتين، لننتقل بالصورة إلى وسط عاصمة التجارة الأمريكية، مانهاتن في نيويورك، حيث كنت أعمل بالقرب منها في نهاية 2011.

والذي يعرف مانهاتن، يعرف مدى صعوبة مواقف السيارات فيها نظراً لعدد الناس المهول في تلك الجزيرة ذات ناطحات السحاب الكثيرة. ولمن لا يعرفها، تعليمات مفصلة للمواقف في مانهاتن توجد تقريباً عند كل رصيف، فمثلاً تجد رصيفاً لا يُسمح فيه إلا بوقوف سيارات التحميل حتى الساعة السادسة، وآخر لا يسمح بالوقوف أبداً، أو في عطلة نهاية الأسبوع. وأحيانا تجتمع تعليمات كثيرة حسب الساعات والأيام في رصيف واحد.

ومع هذه التعليمات المعقدة عند أحد الأرصفة،  أوقفت سيارتي المستأجرة في مكان لا يسمح في بالوقوف بين 11 مساء و6 صباحاً! حيث لم أنتبه لهذا التفصيل، فتمّ سحب سيارتي في حدود الساعة 1:30 صباحاً. حاولت الاستفسار ممّن كان في الشارع فأخبروني أن أتصل بـ911 (هنا تذكرت الأفلام). بصراحة، خفت. أنا نادراً ما تعاملت مع الشرطة في بلدي فكيف ببلد أنا غريب فيه. وكوني مسلم وأحمل الجنيسة السعودية، شعرت بشيء من عدم الراحة.

اتصلت بـ911 الذين حاولوا مساعدتي بطرق كثيرة ولم يستطيعوا لأنني لم أعرف تفاصيل لوحة السيارة كاملة (كان ينقصني الولاية المصدرة)، ولأن السيارة تم سحبها قبل أقل من ساعتين فقد لا تكون أدخلت تفاصيلها في النظام، فاضطررت للاتصال برقم الطوارئ لشركة تأجير السيارات فزوّدوني برقم السيارة (عزيزي القارئ، لاحظ أن الساعة كانت الثانية صباحاً تقريباً).

عرفت الموقع الذي تم سحبها إليه بعد الاتصال بالشرطة وتزويدهم بكامل رقم اللوحة، فذهبت بالتاكسي إلى قسم شرطة نيويورك. ودخلت مع صديقي عبدالله، وإذا ببعضهم هناك في حالة سكر -نظراً لتأخر الوقت وكونه صباح السبت وهي عطلة نهاية أسبوع- ومعظمهم تم سحب سياراتهم بنفس الطريقة.

كان الموجودين عندما يعلن الشرطي إنهاء إجراءات أحدهم، يصفّقون ويحيّونه بصوت مرتفع مباركين بالخروج.

كان الوضع مريحاً للجميع، بمن فيهم رجال (ونساء) الشرطة، حتى أن أحد الموجودين وقف عند أحد شبابيك الشرطة وقال: “ون تشيز برجر آند أ كوكاكولا”، وضحك الجميع، وضحكنا معهم (تذكرت كوب قهوتي المسكين!).

لفتتني لافتة أن المركز يوفّر خدمة ترجمة 22 لغة عالمية، واللافتة موقعة من عمدة نيويورك (تذكرت: “أنا أكلمه هو”… “فين بيت إنتا”؟!)


من المطلوبات لاستلام السيارة : رخصة قيادة صالحة و مبلغ 185 دولار وعقد الإيجار.

لم يكن معي عقد الإيجار، ولم يكن عندي إلا رخصة القيادة السعودية (وأعترف بخطئي أنني جهلت إذا كانت قيادتي قانونية 100% بها) – تذكرت البنغالي المسكين (المجلود)، فمالفرق بين سعودي في أمريكا وبنغالي في السعودية؟

قبلوا ضمنياً برخصة القيادة ولكنهم اشترطوا عقد الإيجار الذي نسيته في الفندق، فأخبروني ألا مشكلة، وأن موظفي مكتب الإيجار يستطيعون إرساله بالفاكس. وفعلاً اتصلت بمكتب الإيجار في الـ3 صباحاً ليرسلوه، طلبوا الكثير من التفاصيل لعنونة الرسالة وإرسالها بصورة صحيحة، ساعدني في كل ذلك رجل شرطة، والذي اضطر أن يشرح لمكتب الإيجار بنفسه.

تأخر الفاكس قليلاً، فنادتني “رجُلة” الشرطة، وسـألتني لمَ لم أنهِ إجراءاتي، فأخبرتها أنني أنتظر الفاكس، قالت: جيّد، كنت أريد أن أعرف لو كنت تحتاج مساعدتنا (هنا، أرسلت تحياتي القلبية الصادقة لمدير مركز الشرطة في الرياض).

قلت أرجو أن تتفحصوا كل أجهزة الفاكس في المركز، حتى الواقع في الغرفة التي في المواقف، وفعلاً فحصوه ووجدوا أن الفاكس قد وصل من ربع ساعة… فدفعت المبلغ وأخذت سيارتي في حدود الساعة 4:30 صباحاً. على الرغم من قدومنا من سفرنا في ذلك اليوم من ولاية بنسلفانيا، وتعبنا، وكانت رحلتنا للسعودية في اليوم التالي (الذي دخل)، كنت وصديقي نبتسم ونقول يا لها من تجربة!!

قبل إنهاء إجراءاتنا، يظهر أنني وصديقي “أخذنا على الجو” وأصبحنا “نمون عليهم”، فأخذت مع صديقي بعض الصور للذكرى، ولم يطردنا أحد أو حتى يمنعنا.

مع ملاحظة أن في تجربتي الأولى كنت أنا الشاكي. أمّا في الثانية، فأنا المخطئ.

*أخذنا عدداً من الصور الشخصية في المركز، لكن لم تضف هنا خشية أن تستخدم في غير ما وضعت له.

خاطرة: أتصوّر أنني لو كنت في السعودية وحصل هذا الساعة الثانية صباح الخميس (وهو ما يعادل صباح السبت)، لن أعرف أين سيارتي لأنها لن تدخل في النظام حتى الصباح –إن دخلت-، أو أن مكتب الإيجار لا يعمل حتى التاسعة صباحاً، أو أن الشرطي المسؤول لن يأتي إلا يوم السبت لأنها عطلة نهاية أسبوع… ولا أريد أن أتخيّل كيف سيكون التعامل في هذه الساعة من اليوم… طبعاً باستثناء سحب السيارات في المطارات.

تعقيب: صديقي عبدالله أصابه ما يشبه الإحباط وضيقة في الصدر لمدة أسبوع بعد الرحلة لأنه في اليوم التالي، عند وصولنا السعودية، تم “تهزيء” أحد العمّال الأجانب “تهزيئاً مبرحاً” –كالعادة- في المطار، ومسح بكرامته الأرض أمام الجميع لسبب ما… أما عني، فقد اكتسبت مناعة منذ وقتٍ طويل!

فارس الشريف


الإجراءات

معلومات

2 ردود

17 02 2012
معاذ بن حسين

نسخة مع التحية لكثييييير من مؤسساتنا الحكومية.. والأهلية أيضاً..

تدوينة شيقة يا فارس.. تستحق أن تنشر ..

22 02 2012
مُلهمه

للأمانه التجربه في السعوديه محبطه خصوصاً عندما تدرك فعلياً انه لا خطوات اصلاحيه جاده تذكر ! وكأن قدرنا أن نعيش في فوضى ، عموماً ارى ان تجربة السعودية كشفت عن ثلاث مشاكل حقيقيه واحسبها رئيسيه منعتنا من التقدم ( ازمه اخلاقيه في التعامل مع بعضنا البعض – عنصريه مقيته تجاه الاجنبي – قوانيين مهترئه وتطبيقها مترنح ) اشبع الحديث فيها طرحاً نظرياً لكن اتوقع متى ما اتخذت حلول جاده وطبقت سنتقدم على الأقل خطوه الى الأمام ، عموماً عموماً انا اؤمن ان اضعف الإيمان التغيير على المستوى الشخصي لعلها تتراكم التغييرات الصغيره لتصنع تغييراً كبيراً / التدثر بالأمل لا بأس به :)

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s




Follow

Get every new post delivered to your Inbox.